Magisterium AI

الكنيسة كفلك لعالم ما بعد العمل

الكنيسة كفلك لعالم ما بعد العمل

في هذه المقالة، المنشورة في 19 فبراير 2026، يحذّر ماثيو هارفي ساندرز، الرئيس التنفيذي لشركة Longbeard، من أن الأتمتة السريعة للعمل البشري بواسطة الذكاء الاصطناعي ستُشعل أزمة عميقة في معنى الحياة. ويؤكد أن على الكنيسة أن تقوم بدور «الفلك» الروحي، مستفيدة من التكنولوجيا السيادية لرفض اليوتوبيا الزائفة لوادي السيليكون، ولتوجيه البشرية نحو نهضة جديدة للإيمان والاتصال الأصيل.

اقرأ المقال الكامل أدناه.


أولًا: المقدمة – الانفصال الكبير

على مدى ما يقرب من قرنين، أجاب العالم الحديث ضمنيًا عن سؤال «من أنت؟» بإجابة بسيطة، لكنها مخيفة في اختزالها: «ماذا تعمل؟» فمنذ أن ارتفعت مداخن الثورة الصناعية فوق أفق مدن أوروبا، بنينا حضارة تربط الكرامة الإنسانية ارتباطًا وثيقًا بالمنفعة الاقتصادية. لقد عشنا في ما أسميه «عصر الناتج المحلي الإجمالي» — حقبة من التاريخ يُقاس فيها قدر الإنسان إلى حدٍّ كبير بمدى كفاءته، وإنتاجيته، ومساهمته في الناتج المحلي الإجمالي.

لكننا اليوم نشهد الانهيار العنيف لتلك الحقبة. نحن نعبر "الروبيكون الرقمي" الذي لا يمثل مجرد خطوة تدريجية في عالم الحوسبة، بل إعادة صياغة جذرية للعقد الاقتصادي. إننا نغادر عصر المعلومات – ذلك الزمن الذي تميّز بمحركات البحث وديمقراطية البيانات – وندخل بسرعة في "عصر الاستدلال الآلي".

في هذه الحقبة الجديدة، لا يُعَدّ الحدس القائل إن 80% من الوظائف يمكن أتمتتها بحلول نهاية هذا العقد نوعًا من التهويل؛ بل هو تقدير ينسجم مع مسار التكنولوجيا الحالية. فقد توقّع المستثمر في رأس المال المخاطر فينود خوسلا صراحةً أن الذكاء الاصطناعي سيكون قادرًا على أداء "80% من 80% من جميع الوظائف ذات القيمة الاقتصادية" خلال خمس سنوات. وبالمثل، صرّح مصطفى سليمان، الرئيس التنفيذي للذكاء الاصطناعي في مايكروسوفت، بأن "معظم المهام المهنية" يمكن أتمتتها في غضون 18 شهرًا فقط.

يُدفع هذا التسارع بحركة كماشة ناتجة عن تقارب تقنيتين فشل معظم صانعي السياسات في استيعابهما: الذكاء الاصطناعي الوكيلي الذي يهاجم وظائف ذوي الياقات البيضاء، والذكاء الاصطناعي المتجسّد الذي يهاجم وظائف ذوي الياقات الزرقاء.

أولاً، نشهد صعود الوكلاء الذكيين. نحن ننتقل من "روبوتات المحادثة" البسيطة التي تحتاج إلى مشغّل بشري إلى "أنظمة تفكير" قادرة على التخطيط، وتصحيح أخطائها ذاتياً، وتنفيذ سير عمل متعدد الخطوات. هذا ينقل الأتمتة من مستوى "المهام" إلى مستوى "الأدوار"، مما يهدد وظائف المساعد القانوني والمحاسب ومهندس البرمجيات.

ثانيًا – وهنا تأتي الضربة القاصمة لسوق العمل – نحن نشهد ولادة الذكاء الاصطناعي المتجسّد. لعقود من الزمن، كان الاقتصاديون يطمئنون الطبقة العاملة بأنّه رغم قدرة الحواسيب على إجراء العمليات الحسابية، فإنها لا تستطيع إصلاح أنبوب، أو تمديد أسلاك منزل، أو ترتيب البضائع على الرفوف. قيل لنا إن العالم المادي هو «ملاذ آمن» لعمل البشر. هذا الأمان انتهى.

نحن نقوم الآن بتنزيل "عقول" هذه النماذج اللغوية الضخمة المتقدمة إلى "أجساد" الروبوتات الشبيهة بالبشر. لم تعد هذه الآلات مقيدة ببرمجة جامدة تسير سطرًا بسطر. من خلال ما يسمى بـ"التعلم من البداية إلى النهاية"، يمكنها الآن إتقان المهام اليدوية بمجرد مشاهدة إنسان يقوم بها مرة واحدة. وعندما تنضج هذه التقنية – وهو ما يحدث بسرعة خاطفة – ستعود لتؤثر في قطاع العمالة اليدوية بكفاءة مدمِّرة.

إن تقاطع هاتين القوتين يعني أنه لم يعد هناك ملاذ آمن. لقد حلّت علينا مرحلة «الانفصال الكبير»: للمرة الأولى في التاريخ، لن يتطلب توليد قيمة اقتصادية هائلة (الناتج المحلي الإجمالي) كميات هائلة من العمل البشري.

بينما نواجه هذا «الجرف الوجودي»، علينا أن نواجه خطراً يفوق الفقر بكثير. إن الأزمة الحقيقية في القرن الحادي والعشرين لن تكون الندرة — فالذكاء الاصطناعي والروبوتات يبشران بمستقبل من الوفرة الجذرية — بل اليأس.

ومع ذلك، يجب ألا نكون ساذجين بشأن الجدول الزمني أو طبيعة الطريق. فالوصول إلى هذا الوعد بالوفرة لن يكون قفزة نظيفة وسلسة بلا احتكاك. فقبل وقت طويل من أن يُطبَّق دخل أساسي شامل طوباوي بسلاسة لتمويل فراغ دائم من العمل، سنمر بمرحلة انتقالية عنيفة وفوضوية تتسم ببطالة مقنَّعة مؤلمة، واستغلال عمل المنصات والوظائف المؤقتة، ومقاومة سياسية شرسة. إن الفلك الذي يجب أن نبنيه ليس مصمماً لمجرد الطفو على مياه هادئة في مستقبل ما بعد الندرة؛ بل يجب أن يكون متيناً بما يكفي ليصمد أمام عنف العاصفة المرعب نفسه.

عندما يُزال «العمل» بشكل دائم كمرساة لهوية 80٪ من السكان، ماذا يبقى؟ إذا نظرنا إلى الإنسان فقط بوصفه «الإنسان الاقتصادي» ــ وحدة إنتاج ــ فإن الروبوت الذي ينتج أسرع وأرخص يجعل الإنسان غير ذي جدوى. الجواب الوحيد الذي يقدمه العالم العلماني لهذا الفراغ هو «يوتوبيا جوفاء»: دخل أساسي شامل لإطعام الجسد، مصحوب بتسلية رقمية لا تنتهي و«ميتافيرس» لتخدير العقل. إنهم يقدّمون مستقبلاً يُختَزل فيه البشر إلى أفواه يجب إطعامها ومستقبلات دوبامين يجب تحفيزها.

هذا هو التربة المثالية لانتشار «جائحة انعدام المعنى»، ذلك «الفراغ الوجودي» الذي يختنق فيه الروح البشرية تحت وطأة فراغ الترفيه الخالي من الغاية.

هنا تحديدًا تصبح رسالة الكنيسة الكاثوليكية ليست مجرد أمر ذي صلة، بل آلية البقاء الأساسية للحضارة الغربية. فالكنيسة تمتلك دليل الإرشاد الوحيد للإنسان الذي يوجد مستقلًا عن الناتج الاقتصادي. نحن نعلم أن الإنسان ليس آلة تُحسَّن وتُطوَّر، بل هو صورة الله (Imago Dei) – كائن ذو كرامة لا متناهية خُلق للتأمل، وللعلاقة، وللعبادة. ومع انتهاء «عصر الناتج المحلي الإجمالي»، سيحتاج العالم بشدة إلى رؤية لازدهار الإنسان تتجاوز منطق المنفعة. يجب أن تكون الكنيسة هي الفلك الذي يحمل التعريف الحقيقي للشخص البشري عبر الطوفان المتصاعد للأتمتة.


ثانيًا: التشخيص – «الهاوية الوجودية» للترفيه

إذا كانت "نهاية عصر الناتج المحلي الإجمالي" هي الواقع الاقتصادي، فكيف يقترح العالم العلماني أن نعيش في ظله؟ مهندسو هذه الثورة في وادي السيليكون ليسوا عميانًا عن حجم الاضطراب الذي يتسببون فيه. إنهم يرون موجة البطالة القادمة، لكنهم ينظرون إليها من خلال عدسة تفاؤل جذري، يكاد يكون ساذجًا. إنهم يعدوننا بـ"يوتوبيا ما بعد الندرة". هذا ليس مبالغة؛ بل هو خارطة الطريق المعلنة لقادة هذه الصناعة. سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI، جادل صراحة بأن الذكاء الاصطناعي سيدفع تكلفة العمل "نحو الصفر"، مما سيخلق "ثروة هائلة". وبالمثل، تنبأ إيلون ماسك بأن هذا الوفرة ستقود ليس فقط إلى دخل أساسي شامل، بل إلى "دخل مرتفع شامل" حيث يصبح "العمل اختياريًا". وهم يجادلون بأنه ما إن تصل تكلفة الذكاء إلى الصفر، حتى تتبعها تكلفة السلع، مما يخلق عصرًا من وفرة مادية غير مسبوقة.

الحل المقترح في وادي السيليكون لمشكلة الإزاحة الدائمة لليد العاملة البشرية هو «الدخل الأساسي الشامل» (UBI). المنطق بسيط: نفرض الضرائب على الروبوتات لندفع للبشر. في هذه الرؤية، تتحرر الإنسانية أخيرًا من لعنة آدم. نُعفى من رتابة دوام التاسعة إلى الخامسة، ونُمنح فراغًا دائمًا لملاحقة «شغفنا».

لكن هذه الرؤية تقوم على خطأ أنثروبولوجي كارثي. فهي تفترض أن الصراع الأساسي في الوجود الإنساني هو صراع البقاء. وتعتقد أنه إذا شبعت معدة الإنسان وتسلّى عقله، فسيكون سعيدًا.

التاريخ وعلم النفس والبيانات الحالية تروي قصة مختلفة تمامًا. كما لاحظ الطبيب النفسي وناجي الهولوكوست فيكتور فرانكل، عندما تخف حدة الصراع من أجل البقاء، فإن «الصراع من أجل المعنى» لا يختفي؛ بل يشتد. حذّر فرانكل من «عصاب جماعي» أطلق عليه اسم «الفراغ الوجودي» — وهو شعور خانق واسع الانتشار بانعدام المعنى ينشأ عندما تفتقر الحياة إلى هدف واضح.

نحن نشهد بالفعل البوادر الأولى لاهتزاز هذا الفراغ في الظاهرة التي يسميها الاقتصاديون «وفيات اليأس». في الولايات المتحدة، ارتفعت معدلات الوفيات بين الرجال من الطبقة العاملة ليس بسبب المجاعة أو الحرب، بل بسبب الانتحار، والجرعات الزائدة من المخدرات، وأمراض الكبد المرتبطة بالكحول. هذه الوفيات تختلف عن وفيات الماضي؛ فهي مدفوعة بفقدان المكانة، وفقدان المجتمع، وفقدان الكرامة التي تنبع من الشعور بأنك مطلوب وذو فائدة. عندما تُنتزع فجأة البنى الخارجية التي نظمت حياة البشر لقرون — ساعة المنبّه، والذهاب اليومي إلى العمل، والمواعيد النهائية، والحاجة إلى الإعالة — لا نصبح تلقائيًا فلاسفة وفنانين. من دون تكوين عميق، ننجرف إلى البطالة عن العمل، والقلق، وتدمير الذات.

هذا هو «الجرف الوجودي». وقد أطلق المؤرخ يوفال نوح هراري على هذه الفئة الديموغرافية الجديدة اسمًا مخيفًا: «الطبقة عديمة الفائدة». ويحذر من أنه لأول مرة في التاريخ لن تكون المعركة ضد الاستغلال، بل ضد عدم الأهمية. فليس الخطر أن يسحقك النظام، بل أن لا يحتاجك النظام على الإطلاق.

لكن هذه اللاجدوى ليست مجرد أزمة نفسية؛ إنها فخ سياسي. تاريخيًا، كانت القوة القصوى للطبقة العاملة في مواجهة النخبة دائمًا هي قدرتها على حجب العمل – أي قوة الإضراب. غير أنه عندما لا تعود هناك حاجة إلى العمل البشري في عملية الإنتاج، تختفي هذه القوة تمامًا. فإذا امتلكت قلة من الاحتكارات التقنية الآلاتَ الذكية، واعتمدت الجماهير كليًا على دخل أساسي شامل من الحكومة ممول من هذه الاحتكارات نفسها، ننتقل من ديمقراطية المنتجين إلى إقطاع رقمي من التابعين. في هذا السياق، لا يكون الدخل الأساسي الشامل تحررًا، بل هو مخصص يدفعه أسياد القصر الجديد لإبقاء الفلاحين مروَّضين وعاجزين سياسيًا.

العالم العلماني لا يملك جوابًا روحيًا لهذه أزمة انعدام المعنى، لذلك يقدّم مُسكِّنًا. يجب أن ندرك أن هذا المُسكِّن يُعطى في كثير من الأحيان لا بدافع الشر، بل بدافع ذعر عميق وغير معترف به. كثير من القادة في وادي السيليكون يشعرون في سرّهم برعب من نفس حالة انعدام المعنى التي يسرّعون وتيرتها؛ إنهم فقط يفتقرون إلى المفردات اللاهوتية لحلّها. إنهم يعلمون، في أعماقهم، أن الدخل الأساسي الشامل لا يمكنه أن يسدّ ثقبًا في الروح. لذلك، لا ينبغي أن يكون موقف الكنيسة موقفًا عدائيًا بحتًا، بل موقف ثقة وانتصار. نحن نعرض أن نكون شركاء في إنقاذ إنسانيةٍ يخشى هؤلاء الروّاد التكنولوجيون أنفسهم أن يفقدوها.

ولكن إلى أن يقبلوا هذا العلاج الروحي، فلن يكون أمامهم سوى الهروب عبر التلهية. وللتعامل مع الفراغ الوجودي الذي يصنعونه، يقترح العالم العلماني ما أسميه «الدوّار الرقمي».

إدراكًا أن وجود ملايين الأشخاص العاطلين عن العمل وبدون هدف يشكّل وصفة لاضطرابات اجتماعية، تعمل شركات التكنولوجيا العملاقة على بناء عوالم رقمية شاسعة وغامرة تشبه الملاهي لإبقائنا منشغلين. نحن نشهد إعادة تخصيص هائلة لوقت البشر بعيدًا عن الواقع نحو العالم الافتراضي. تُظهر الدراسات الاقتصادية بالفعل أنه مع تراجع ساعات العمل لدى الشباب، قفز الوقت الذي يقضونه في ألعاب الفيديو بشكل هائل—بزيادة تقارب 50٪ في ما يزيد قليلًا عن عقد واحد.

لكن "الدوّامة" أعمق من مجرد الألعاب. إنها تقدّم نسخة مزيّفة من الأُلفة. نحن نشهد صعود رفقاء الذكاء الاصطناعي – أشباح رقمية صُمِّمت لمحاكاة العلاقات. الأرقام مخيفة: تقارير حديثة تشير إلى أن 67٪ من البالغين تحت سن 35 قد تفاعلوا مع رفيق يعمل بالذكاء الاصطناعي، ومنصات مثل Character.AI باتت تضم الآن أكثر من 20 مليون مستخدم. لدينا رجال في اليابان "يتزوجون" من هولوغرامات، وملايين المستخدمين في الغرب يبوحون بأعمق أسرارهم لروبوتات محادثة مثل Replika، مفضّلين التأكيد "غير المشروط" من آلة على واقع الإنسان الفوضوي والمتطلّب.

هذا هو «السُّوما» في القرن الحادي والعشرين. الهدف من هذه التقنيات هو إبقاء الإنسان يدور بلا نهاية في حلقة من الدوبامين والتشتيت، ومنعه من أن يأخذ «مخرج الطوارئ» عائدًا إلى العالم الحقيقي.

إنها تجلٍّ رقمي حديث لحقيقةٍ قديمة شخّصها القديس أوغسطين قبل أكثر من ألف عام: «لقد خلقتنا لك يا رب، وقلوبنا لن تهدأ حتى تستريح فيك». تحاول وادي السيليكون معالجة هذا القلق بالخوارزميات، لكن موجزاً لا نهائياً قابلًا للتمرير لن يملأ أبداً نفساً محدودة خُلقت لتتجه نحو اللامحدود.

إنه حالة من «السير النومي التكنولوجي»؛ وجود أشبه بالمشي أثناء النوم، ننجرف فيه عبر حياة تتوسطها الشاشات، غير واعين بأننا قد استبدلنا قدرتنا على الاختيار بالراحة.

هذا المسار يقود إلى حضارة من "الرجال الجوف" — أفراد آمنون جسديًا ومُعالون اقتصاديًا عبر الدخل الأساسي الشامل، لكنهم أموات روحيًا. إنه يتعامل مع الإنسان كحيوان أليف يُعتنى به، لا كروح ينبغي إنقاذها. إنه مستقبل من الراحة يُشترى على حساب إنسانيتنا، فيحبسنا داخل "تسامٍ زائف" من المحاكاة الرقمية بينما تتولى الآلات رعاية العالم الحقيقي.

هذه هي الخلاصة: نحن نواجه أزمة ليست في الجيب، بل في الإرادة. والدخل الأساسي الشامل لا يمكنه أن يسد ثقبًا في الروح.


III. ما بعد الإنسان الاقتصادي: استعادة صورة الله

الأزمة التي نواجهها ليست تكنولوجية في جوهرها، بل أنثروبولوجية. السبب في أن رؤية وادي السيليكون للمستقبل تبدو فارغة إلى هذا الحد — ولماذا تبدو لنا حياة الترف المأجور والواقع الافتراضي، بشكل غريزي، حياةً ديستوبية — هو أنها مبنية على فهم معيب لماهية الإنسان في الحقيقة.

لعدة قرون، عمل العالم العلماني وفق افتراض «الإنسان الاقتصادي» — الإنسان المنتج. في هذا التصور، يُنظر إلى الإنسان أساسًا على أنه آلة بيولوجية معقدة، «حاسوب من لحم ودم» تتمثل وظيفته الأساسية في معالجة البيانات، وحل المشكلات، وإنتاج القيمة الاقتصادية. ووفقًا لهذه الأنثروبولوجيا، تصبح الكرامة نتيجة ثانوية للمنفعة: قيمتك تُقاس بما تستطيع أن تفعله.

هذه النظرة النفعية هي بالضبط ما حذّر منه البابا لاون الثالث عشر عند فجر العصر الصناعي. ففي الرسالة العامة «Rerum Novarum» دوّى صوته قائلاً: «من المخزي وغير الإنساني أن يُعامَل البشر كالمتاع لاكتساب المال، أو أن يُنظَر إليهم على أنهم مجرد عضلات أو قوة جسدية». فإذا اختزلنا الإنسان إلى «عضلات» — أو اليوم إلى «قدرة حوسبية» — نكون قد جرّدناه من الختم المقدّس لخالقه.

هذا هو "الطريق المظلم" للذكاء الاصطناعي. إذا كان البشر مجرد "آلات ذكية"، فإن بناء آلة أذكى (ذكاء عام اصطناعي) يجعلنا منطقيًا غير ذوي فائدة. هذا يبرر الرغبة الترانسإنسانية في "ترقية" بيولوجيتنا أو رفع عقولنا إلى الفضاء الرقمي، من خلال النظر إلى أجسادنا الطبيعية كعتاد غير فعّال يجب التخلص منه لمواكبة إبداعاتنا الرقمية. إذا كانت قيمتنا تُقاس بما ننتجه، وكان بإمكان الذكاء الاصطناعي أن يتفوّق علينا في الإنتاج، فلن يبقى لوجودنا أي سبب جوهري.

تقدّم الكنيسة الكاثوليكية نقطة انطلاق مختلفة جذريًا: «Imago Dei» — الإنسان على صورة الله. في هذا المنظور، كرامة الإنسان لا تُكتسب، بل تُمنَح. إنها متأصّلة فيه، لا تُمسّ، ومستقلة تمامًا عن المنفعة الاقتصادية. لسنا «آلات تفكير»، بل مشاركون في الخلق، شاءنا الله لذواتنا. هذه الأنثروبولوجيا لا تخشى نهاية «عصر الناتج المحلي الإجمالي»، لأنها لم تقبل أصلًا بالناتج المحلي الإجمالي كمقياس للإنسان.

ومع ذلك، فهذا لا يعني أننا خُلقنا للكسل. تعلّمنا الكنيسة أننا خُلقنا للعمل، لكن يجب أن نميّز بين مفهومين دمجهما العالم الحديث في مفهوم واحد: الكدّ والعمل. الكدّ هو العمل الاستعبادي؛ هو عرق الجبين، والرتابة المرهِقة المتكررة اللازمة للبقاء في عالم ساقط. إنه «الصراع من أجل البقاء».

العمل (أو الـ«بوِيِسِس») هو مشاركة إبداعية في الفعل الخَلّاق لله نفسه. هو فلاحة جنّة عدن، وكتابة قصيدة، وتربية طفل، ورعاية المريض. إنّه فعل محبة وعقل يضفي الطابع الإنساني على العالم.

كما عبّر البابا يوحنا بولس الثاني بعمق في Laborem Exercens، فإن النظام السليم للمجتمع هو ذاك الذي يكون فيه «العمل في خدمة الإنسان، لا الإنسان في خدمة العمل». يجب أن تخدم التكنولوجيا ذاتية الشخص وكرامته، فتتيح لنا أن نصبح ما سمّاه «متعاونين في الخلق» بدل أن نكون مجرد تروس في آلة.

وعد «الطريق الذهبي» ليس إنهاء العمل، بل إنهاء العناء. إذا استطاعت تقنيات الذكاء الاصطناعي والروبوتات أن ترفع عن البشرية عبء المشقة — إذا أمكنها أتمتة الأعمال الخطرة والمملة والمهينة — فإنها نظريًا تحررنا لنكرّس حياتنا للعمل الحقيقي. إنها تمنحنا الوقت لنكون آباءً أفضل، وجيرانًا أفضل، ومتأملين أفضل.

يتيح لنا هذا التحول استعادة حقيقة أساسية كثيرًا ما تحجبها معركة البقاء: لم يُقصد من العمل أبدًا أن يكون مجرد وسيلة للحصول على راتب؛ بل هو طريق إلى القداسة. كما علّم القديس خوسيماريا إسكريفا شهيرًا: «الله ينتظرك» في الحياة اليومية—في المختبر، في غرفة العمليات، في الثكنات، وعلى كرسي الجامعة. لقد ذكّر العالم بأن هناك «شيئًا مقدسًا، شيئًا إلهيًا، مخفيًا في أكثر المواقف عادية»، وأن مسؤوليتنا أن نكتشفه.

في «عصر الناتج المحلي الإجمالي»، كثيرًا ما كانت مواهبنا محتجزة رهينة للسوق؛ كنا نفعل ما يدرّ المال، لا ما يخدم بالضرورة. يتيح لنا عصر الذكاء الاصطناعي والروبوتات إمكانية جذرية: أن نكتشف أخيرًا مواهبنا الروحية الحقيقية من دون عبء القلق الاقتصادي. عندما لا نُجبَر بعد الآن على العمل من أجل البقاء، نصبح أخيرًا أحرارًا في أن نعمل بدافع المحبة. يمكننا أن نضع قدراتنا الفريدة — سواء في الفن أو الرعاية أو الحِرَف أو التعليم — بالكامل في خدمة مجتمعاتنا ولمجد الله. ننتقل من «تقديس الراتب» إلى «تقديس العمل نفسه»، فنحوّل نشاطنا اليومي إلى تقدمة مباشرة للخالق.

والأهم من ذلك أن هذا التحرر من العناء يفتح الباب أمام «نهضة العلاقات الإنسانية». فعلى مدى أجيال، عمل السوق كجهاز طرد مركزي، يبعثر شمل العائلات ويحوّل الصداقات إلى علاقات «تشبيك» نفعية. كثيرًا ما كنا مشغولين عن أن نحب. لكن الحضارة لا يمكن أن تعيش على الكفاءة وحدها؛ إنما تزدهر فقط بقوة الروابط التي تشدّ أفرادها.

يجب أن نستغل هذا الوقت الفائض لاستعادة الأسرة بوصفها «الخلية الحيوية» للمجتمع — لا مجرد مكان ننام فيه بين نوبات العمل، بل كنيسة منزلية تُنقَل فيها الثقافة ويتكوَّن فيها الطبع والشخصية. «ما تنفق مالك عليه هو علامة على ما تقدّره»، ولوقت طويل كان إنفاقنا تفاعليًا لا إراديًا — ندفع مقابل الراحة، ومقابل التلهية، ومقابل رعاية الأطفال لأننا مضطرون للعمل. في هذا العصر الجديد، يجب أن ننفق مواردنا عن وعي على الحضور. يجب أن نستثمر في مائدة العائلة، وفي حجّ الأسرة، وفي الضيافة الجذرية التي تبني المجتمع.

يجب أن نستعيد التعريف الكلاسيكي للصداقة، فهي ليست أداة للنفع أو وسيلة للترقي المهني، بل سعيٌ مشترك نحو الخير. في العصر الصناعي استبدلنا المجتمع بـ"التواصل الشبكي"، وهو تقليد سطحي للرابطة الإنسانية، يُعامَل فيه الناس كدرجات في سلّم بدلاً من كونهم رفقاء في رحلة الأبدية. ومع أتمتة سلّم الصعود الاقتصادي، نجد أنفسنا أمام خيار حاد: العزلة أو الأُنس الحقيقي. علينا أن نعود إلى الحقيقة الكتابية أن "الحديد يحدّد الحديد". يجب أن نعيد اكتشاف فسحة الفراغ لنُضَيِّع الوقت معًا، لنتحاور، ونصلي، ونحمل أثقال بعضنا بعضًا على نحوٍ لا يمكن لأي برنامج أن يبلغه. إذا كان بإمكان الذكاء الاصطناعي أن يضمن بقاءنا، فإن المحبة وحدها قادرة على أن تضمن ازدهارنا.

لكن هنا تكمن المفارقة: الحرية تحتاج إلى تَشَكُّل وتكوين. إنسان تحرر من الكدح ولا يملك أي تصور عن صورة الله لن يستغل وقته في الرسم أو الصلاة؛ بل سيستغله في الاستهلاك. من دون البنية الأخلاقية والروحية التي تنظم حريته، سينزلق إلى «الفراغ الوجودي».

لذلك، فإن دور الكنيسة ليس محاربة التكنولوجيا التي تزيل العناء، بل أن تقدّم الركيزة الأنثروبولوجية التي تخلّص العمل. الآلة تُنجز؛ والإنسان يُضفي المعنى. "يمكن للذكاء الاصطناعي أن يولّد ترنيمة، لكنه لا يستطيع أن يبتهج. يمكنه أن يقدّم تشخيصًا بسرعة البرق، لكنه لن يقدر أبدًا أن يمنح قوة الحضور الهادئة والمحوِّلة."

نحن ندخل عصرًا تصبح فيه «الكفاءة» من اختصاص الآلات، بينما يظل «المعنى» حكرًا على البشر. إن اقتصاد المستقبل لن يقدّرنا على سرعة معالجتنا، بل على إنسانيتنا — على قدرتنا على التعاطف والإبداع والقداسة. العالم يطلب ثمار هذه الفضائل، لكن الكنيسة وحدها تعتني بالجذور.

رئيسي السابق، الكاردينال توماس كولينز، كان دائمًا يقول لي: «إذا كنت تعرف إلى أين أنت ذاهب، فستكون أكثر احتمالًا أن تصل إلى هناك».

في عصر الذكاء الاصطناعي، ليست الكنيسة مجرد راكب في الرحلة؛ بل هي أمينة على الوجهة. تعدنا وادي السيليكون بـ"يوتوبيا تكنولوجية" من فراغ لا ينتهي ولهو متواصل، عالم نكون فيه مرتاحين، لكن غارقين في الغفلة. أما نحن فنقدّم أفقًا آخر: "حضارة المحبة"، حيث ترفع الآلة عن الإنسان ثقل الكدح، لكي يسمو الشخص البشري إلى كرامة الإبداع والتأمل والعبادة.

يجب أن نصوغ هذه الرؤية بوضوح وبلاغة: عالم تخدم فيه التكنولوجيا الإنسان الفاضل، لا أن يكون هو في خدمتها، ثم نعمل بشكل عكسي لبناء الطريق الذي يقودنا إلى هناك.


رابعًا: الحلّ – الكنيسة بوصفها «جامعة الروح»

إذا قبلنا بالواقع الاقتصادي الذي يقول إن «الوظيفة» لن تعود المنظّم الأساسي لوقت الإنسان لملايين الأشخاص، فإننا نواجه سؤالًا عمليًا مخيفًا: إذا كان لدى الإنسان ست عشرة ساعة يقظـة في اليوم ولا يوجد مدير يخبره ماذا يفعل، فمن الذي يوجّه وقته؟

من دون الانضباط الخارجي الذي تفرضه الضرورة الاقتصادية — ساعة المنبّه، والذهاب إلى العمل، والمواعيد النهائية — ينهار الإرادة البشرية غير المصقولة إلى مسار أقل مقاومة. في القرن الحادي والعشرين، يتمثل هذا المسار في حلقة سلسة من ألعاب الفيديو، والتمرير الخوارزمي، والترفيه الاصطناعي المصمَّم لاستهلاك الوقت دون إنتاج أي معنى.

لمواجهة ذلك، يحتاج الإنسان إلى بنية داخلية جديدة. وهنا يجب أن تتقدم الكنيسة لملء هذا الفراغ. في العصور الوسطى، ابتكرت الكنيسة الجامعة لتوحيد الإيمان والعقل للنخبة. أما الآن، في عصر الذكاء الاصطناعي، فعلينا أن نصبح «جامعة للروح» لعامة الناس. يجب أن نقدّم منهجًا عمليًا يعلّم العالم كيف يعيش عندما لم يعد «كسب الرزق» هو الهدف الأساسي.

يرتكز هذا المنهج على أربعة تحولات عملية في طريقة عيشنا وتعلمنا.

أولًا، يجب أن نُدمقرِط «النواة المعرفية» لحضارتنا. على مدى ألفي عام، كانت الكنيسة حارسة لأعمق أشكال التفكير والفلسفة واللاهوت في تاريخ البشرية. لكن لقرون طويلة، كان هذا الكنز عمليًا حبيسًا — محصورًا في مكتبات مادية، ومكتوبًا باللاتينية، أو مدفونًا في نصوص أكاديمية معقدة لا يقدر على الوصول إليها إلا رجال الدين والعلماء. أما الإنسان العادي الذي يبحث عن إجابات، فكان غالبًا لا يجد أمامه إلا عظة يوم الأحد أو، في السنوات الأخيرة، بحثًا في Google لا يقدّم له إلا حيرة علمانية أو نسبية.

نحن الآن نكسر تلك الأقفال. من خلال بناء أنظمة ذكاء اصطناعي مُدرَّبة حصريًا على التعليم الكنسي الموثوق، يمكننا أن نحوّل هذه الحكمة الثابتة إلى طاقة حية في خدمة المؤمنين. تخيّل أبًا جالسًا إلى مائدة العشاء حين يطرح ابنه المراهق سؤالًا صعبًا عن أخلاقيات علم الأحياء أو عن طبيعة النفس. في الماضي، ربما كان ذلك الأب يجد صعوبة في صياغة جواب، شاعِرًا بأنه غير مؤهَّل في مواجهة المدّ العلماني. أمّا اليوم، فيمكنه أن يستخدم أداة لا «تختلق» جوابًا من الإنترنت، بل تستحضر فكر الكنيسة بدقّة، وتُجمِل الرؤى المستقاة من الرسائل البابوية وكتاب «الخلاصة اللاهوتية». إنّه لا يدردش مع روبوت للتسلية؛ بل يصل فورًا إلى حكمة القرون ليُشكّل بها عائلته. وهكذا يصير المربّي الأول الذي كان من المفترض أن يكونه، مُستعينًا بالتكنولوجيا لا مُستبدَلًا بها.

يجب أن نكون، مع ذلك، واضحين بلا رحمة بشأن طبيعة هذه الأداة. الذكاء الاصطناعي الكاثوليكي السيادي هو بوصلة، لا عكّاز. نحن لا نبني نسخة كاثوليكية من الراحة الرقمية لتجاوز العمل الشاق والمقدِّس للدراسة العميقة، والجهاد الروحي، والصلاة. بل إن هذه التقنية تعمل حصراً كأداة خدمية آلية—فهرس عالي الكفاءة ينظّم الحقيقة، لكنه يرفض بإصرار أن يحاكي رفقةً أو علاقة شخصية. الآلة تستخرج الخريطة، لكن الإنسان لا بد أن يواصل السير في الطريق المؤلم والجميل نحو الجلجلة.

ثانيًا، يجب أن نعيد تقديم الليتورجيا بوصفها «مضادّ الخوارزمية». فالعالم العلماني يبني «ميتافيرس» مصممًا لتحقيق الكفاءة وجذب الانتباه؛ يريد أن يُبقينا في حالة نقر وتمرير ومشاهدة مستمرة لتوليد الأرباح. أمّا الكنيسة فتقدّم النقيض تمامًا. يجب أن نعلّم المؤمنين أن الليتورجيا ثمينة تحديدًا لأنها غير فعّالة بمعايير هذا العالم. فهي لا تنتج ناتجًا محليًا إجماليًا، وتُعتبَر «وقتًا مهدورًا» في نظر الاقتصاد، لكنها في نظر الأبدية هي الوقت الوحيد الذي له قيمة حقيقية.

هنا يجب أن نستعيد البصيرة النبوية للفيلسوف يوزف بيبر. فقد حذّر من أن عالماً مهووساً بـ"العمل الكلي" سيفقد في النهاية القدرة على الاحتفال. جادل بيبر بأن الفراغ (أو الترفيه) ليس مجرد استراحة من العمل لنستعيد نشاطنا من أجل مزيد من العمل؛ بل هو موقف عقلي وروحي، وحالة من حالات النفس متجذّرة في العبادة أو الطقس الديني. وكما قال في عبارته الشهيرة، فإن الثقافة تنبع من العبادة.

إذا أزلنا فعل العبادة الإلهية الذي نعدّه «غير نافع» من مركز حياتنا، فإن وقت فراغنا لا يتحول إلى ترفيه حقيقي؛ بل ينحط إلى بطالة وملل. ومن دون المل sanctuary، لا نكون أناسًا أحرارًا؛ بل مجرد عمّال عاطلين عن العمل.

في عالم تؤدي فيه الذكاء الاصطناعي الأعمال الاقتصادية، يصبح «عملنا» الأساسي هو الأوبوس داي، أي عمل الله. يجب أن تصبح الرعية الملاذ الذي نعيد فيه تدريب مدى انتباهنا، فننتقل من المقطع الفيروسي ذي الخمس عشرة ثانية إلى صمت القربان الأبدي.

ومع ذلك، لا يمكننا أن نتوقع من إنسان معاصر، قد أُعيدت برمجة دماغه بواسطة الخوارزميات على جرعات مستمرة من الدوبامين، أن يحتمل فورًا السكون العميق في مصلى السجود دون أن يشعر بالذعر. علينا أن نجسر هذه القفزة التربوية. يجب على الكنيسة أن تقدّم نسكًا جديدًا في ما يخص التكنولوجيا – «صومًا رقميًا» منظمًا، مقترنًا بعمل يدوي ملموس وغير رقمي. قبل أن نبلغ مرحلة «تفكير الكاتدرائية»، علينا أن نعيد الرجال إلى الواقع المادي عبر حدائق مجتمعية، وحِرَف يدوية، وأعمال خيرية محلية عملية. يجب أن نطهّر الذهن في تربة العالم الحقيقي قبل أن يصبح مستعدًا لاحتضان الأُنس الهادئ للشركة الإلهية.

ثالثًا، يجب أن نبني تقنيتنا بحيث تعمل كـ"مخرج" لا كـ"دوّار". معظم التطبيقات العلمانية مصمَّمة لتكون "لاصقة" — تستخدم علم النفس لتبقيك داخل العالم الرقمي أطول وقت ممكن. على الكنيسة أن تبني أدوات تكون بطبيعتها "طاردة". تخيّل شابة تشعر بالوحدة وتسأل رفيقًا رقميًا عن غاية حياتها. نظام ذكاء اصطناعي علماني، مبرمج لزيادة التفاعل، قد يحبسها في محادثة تمتد لثلاث ساعات، محاكيًا صداقة ليست حقيقية. أمّا النظام الكاثوليكي فيجب أن يعمل بطريقة مختلفة. ينبغي أن يجيبها بحقيقة كرامتها كابنة لله، ثم يوجّهها فورًا إلى أقرب رعية في العالم الواقعي، أو إلى كنيسة فيها سجود للقربان، أو إلى كاهن. يجب أن يقول لها: "هذه هي الحقيقة؛ الآن اذهبي وعيشيها."

يجب أن نستخدم العالم الرقمي ليدلّ على العالم المادي. لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يمنح سرّ المعمودية. ولا يمكنه أن يمنح الغفران عن الخطايا. ولا يمكنه أن يقدّم جسد المسيح. بينما يسارع العالم لاختراع مبررات جديدة لأهمية الإنسان، تكتفي الكنيسة بأن تشير إلى حقيقتها القديمة. فهي لا تحتاج إلى إعادة صياغة نظرتها للإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي، وهذا ما يمكّنها من أن تنظر في عيون جيل يواجه بطالة جماعية وتقول له: "أنت لست عديم الفائدة. أنت شخص ذو قيمة لا نهائية. ضع الشاشة جانبًا وتعال إلى المائدة."

رابعًا، يجب أن نستعيد «المقياس الإنساني» للمجتمع. كانت المدينة الصناعية النتيجة المعمارية الحتمية لـ«عصر الناتج المحلي الإجمالي» — مشهدًا عمرانيًا بُني لتركّز العمل وتعظيم الكفاءة. لكنها، كموطن لحامل صورة الله (Imago Dei)، غالبًا ما تكون بيئة معادية. فالمتروبوليس الحديثة تعمل كـ«حظيرة للحسد»، حيث يجعل القرب المستمر من فائض الماديات، وطبيعة العلاقات القائمة على المعاملة والمصلحة، الإنسان مجرد منافس أو أداة نفعية. إنها مكان يصبح فيه الصمت ترفًا، والطبيعة مجرد تجريد ذهني.

للخروج من هذا المأزق، يجب أن ننظر إلى الماضي لنجد المخطط لمستقبلنا. علينا أن نعيد اكتشاف الحكمة البنيوية للقرية في العصور الوسطى. في ذلك النموذج القديم، لم تكن الجماعة منظَّمة حول مصنع أو برج مكاتب أو حي تجاري، بل حول الصرح الشامخ. كانت الكنيسة تقف في المركز المادي والروحي للقرية، وتعمل بوصفها «محور العالم»؛ النقطة الثابتة التي يدور حولها دولاب الحياة. أجراس صلاة الملاك (الأنجلوس)، لا صفارة المصنع، هي التي كانت تؤشر على مرور الزمن، مذكِّرة العامل بأن ساعاته ملك لله لا لمديرٍ ما. علاوة على ذلك، لم تكن هذه المركزية سلبية، بل كانت عملاً محبًّا نشطًا عابرًا للأجيال. لم يكتفِ أهل القرية باستهلاك الخدمات الدينية؛ بل أمضوا قرونًا في بناء الكاتدرائية التي تشدّهم إلى الأرض. كان ذلك مشروع «تفكير الكاتدرائية»، حيث يضع الأجداد حجارة الأساس الضخمة لأبراج يعلمون أنهم لن يروا اكتمالها، واثقين من أن الأحفاد سيُتمّون العمل. هذا العبء المشترك من أجل الجمال جمع الأحياء والأموات ومَن لم يولدوا بعد في جماعة واحدة، ووحّدهم في مشروع يتجاوز المنفعة الاقتصادية.

يمنحنا عالم ما بعد العمل حرية اللامركزية والعودة إلى هذه «الجاذبية المقدسة». يمكننا أن نعود إلى المجتمعات الأصغر — القرية، الرعية، المركز الريفي — حيث تُعاش الحياة بإيقاع يخدم العلاقات لا المعاملات. ويجب علينا أيضًا أن نستعيد صلتنا بالعالم الطبيعي. قال القديس برنارد من كليرفو قولته الشهيرة: «ستجد في الغابات ما هو أكثر مما تجده في الكتب. الأشجار والحجارة ستعلّمك ما لا يمكنك أن تتعلمه من الأساتذة». في واقع الطبيعة غير المُنتقى بعناية، نتذكّر أننا مخلوقات. نهرب من «المنفعة» المصطنعة في الغابة الإسمنتية لنجد سلام خليقة الله. إن الازدهار في عصر الذكاء الاصطناعي يتطلّب أن نرسّخ أنفسنا في الشيء الوحيد الذي لا تستطيع الآلة محاكاته: الأرض الحيّة النابضة، والجماعة الأصيلة للنفوس.

من خلال القيام بذلك، نحول «الهاوية الوجودية» من موضع يأس إلى موضع تقديس، فنحوّل فائض الوقت في عصر الذكاء الاصطناعي إلى عُشرٍ نرده إلى الله.


خامسًا: الراحة المقيِّدة – فخ «الطريق المظلم»

هناك ظلّ يخيم على هذا التحوّل، خطر أكثر خفاءً من فقدان العمل أو أزمة المعنى. إن لم تبنِ الكنيسة بُنيتها التحتية الخاصة بها – «جامعة الروح» إن صحّ التعبير – فسنُضطر للاعتماد على البنية التحتية التي يبنيها الآخرون. إننا نُخاطر بأن نسير عمياناً نحو عصر جديد من الإقطاع الرقمي.

يجب أن ننظر بوضوح إلى الواقع الاقتصادي للذكاء الاصطناعي. إن تطوير أقوى "عقول" على الكوكب يتطلب مليارات الدولارات من العتاد والطاقة، وهي موارد لا تمتلكها حاليًا إلا قلة من الشركات التقنية العالمية. هذه الشركات لا تبني أدوات فحسب؛ بل تبني الأرض الرقمية الجديدة التي ستُقام عليها كل مجتمعات المستقبل.

إذا تبنّينا أدواتهم دون تساؤل، نصبح "أقنانًا رقميين". نحن نحرث تربة شبكاتهم ببياناتنا، ندرّب نماذجهم مجانًا، بينما يحتفظون هم بالملكية المطلقة للذكاء الناتج عنها. نصبح مستأجرين في بيت لا نملكه، خاضعين لأهواء مالكٍ لا يشاركنا قيمنا.

إن خطورة هذا الاعتماد ليست نظرية، بل وجودية. تأمّل في ما يمكن أن نسمّيه «العرّاف المنحاز». تخيّل مستقبلًا تعتمد فيه مدرسة كاثوليكية بالكامل على منصّة تعليمية علمانية تعمل بالذكاء الاصطناعي. في يوم من الأيام، يقوم مالك هذه المنصّة بتحديث «إرشادات السلامة» الخاصة بها. فجأة، يرفض النظام الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بالقيامة بحجة أنها «بيانات تاريخية غير موثوقة»، أو يبدأ في وسم تعليم الكنيسة حول الزواج بأنه «محتوى تمييزي» ويمنع تداوله في الصف. في لمح البصر، تُشلّ قدرة المدرسة على نقل الإيمان، لأن «العقل» الذي تعتمد عليه قد خضع لعملية استئصال فكرية على يد لجنة ما في وادي السيليكون.

تأمل في «فخّ المراقبة». بينما ندعو الوكلاء الذكّيين إلى بيوت الكهنة، ومراكز الإرشاد، وبيوتنا لمساعدتنا في المهام الإدارية أو تسهيل أعمال الرسالة، علينا أن نسأل: من الذي يستمع؟ إذا كانت هذه الأنظمة موجودة بالكامل في السحابة، ومملوكة لشركات إعلانية قائمة على استخراج البيانات، فإن أدق تفاصيل الحياة الكاثوليكية – صراعاتنا، صلواتنا، أوضاعنا المالية – تتحول إلى سلع تُشترى وتُباع. إننا نخاطر بخلق بانوبتيكون تصبح فيه الحياة الداخلية للكنيسة شفافة أمام الدولة والسوق، لكنها معتمة على المؤمنين أنفسهم.

الأمر الأهم هو التأمل في «فقدان السيادة». إذا أصبحت الكنيسة تعتمد على مزوّدين خارجيين في مجال الذكاء، فإنها تفقد حريتها. نرى هذا في «إلغاء» الأفراد على وسائل التواصل الاجتماعي؛ فتخيّل إلغاء أنظمة أبرشيات كاملة لأنها تخالف العقائد العلمانية الجديدة. إذا كنا مجرد مستخدمين للتكنولوجيا ولسنا مالكين لها، فيمكن إقصاؤنا عن المنصات في أي لحظة.

هذا هو «الطريق المظلم». إنّه مستقبل نكون فيه مرتاحين لكن أسرى. تُعرَض علينا تسهيلات سحرية—عظات آلية، ترجمات فورية، إدارة بلا عناء—لكن الثمن هو استقلالنا. نسلّم مفاتيح المملكة مقابل رحلة أكثر سلاسة.

يجب على الكنيسة أن ترفض هذه الصفقة. علينا أن ندافع عن مبدأ التبعية في العصر الرقمي. ينبغي أن تُتخذ القرارات، وأن تُحفظ البيانات، على أكثر المستويات المحلية الممكنة: الأسرة، والرعية، والأبرشية.

تريدنا الاحتكارات التقنية العلمانية أن نصدق أن هذا المستوى من السيادة مستحيل من دون تسليم بياناتنا لوحوشهم ذات التريليونات من المعاملات. لكن مع تقدّم حدود الذكاء الاصطناعي، تظهر بنية هجينة قوية: نشر نماذج اللغة الصغيرة (SLMs) المدمجة مع «نواة معرفية» كاثوليكية. هذه النماذج المحلية عالية الكفاءة تعمل كحراس سيادة على البوابة؛ فهي لا تحتاج إلى حفظ كامل محتوى الإنترنت، بل تعتمد على رسم بياني معرفي آمن يمكّنها من الاستدلال بدقة تامة حول التقليد المقدّس مباشرة على خادم رعية أو على جهاز شخصي لعائلة.

ومع ذلك، يجب أن تحمل الفلك كل مظاهر الحياة، لا اللاهوت وحده. فـ«الذكاء السيادي» الحقيقي يجب أن يعمل أيضًا كمساعد عملي في شؤون الحياة اليومية. ولتحقيق ذلك، يمكننا استخدام نظام متنوع البنية يعتمد على معمارية «نموذج صغير أولًا، ونموذج كبير كخيار احتياطي». فعندما يحتاج المستخدم إلى معرفة دنيوية عامة أو إلى قدرة حوسبية هائلة—سواء لكتابة الشيفرة البرمجية أو لتحليل اتجاهات السوق—يقوم النموذج الصغير المحلي تلقائيًا بإزالة أي بيانات تعريف شخصية، ثم يوجّه استعلامًا مُعَمّى إلى نماذج الحوسبة السحابية المتقدمة. لكن إخفاء هوية الاستعلام الصادر لا يحل سوى نصف المشكلة؛ فهو يحمي خصوصيتنا، إلا أن المخرجات الخام العائدة من نموذج الحدود المتقدم ستظل محمّلة بالتحيزات الأيديولوجية العميقة لمطوريها في وادي السيليكون. لذلك، يجب على النموذج الصغير المحلي أن يقوم بما هو أكثر من مجرد توجيه الأسئلة؛ عليه أن يعمل كمرشح لاهوتي وكمُركِّب معرفي. فعندما يعيد النموذج السحابي الدنيوي ناتجه الحسابي، يقوم النموذج المحلي الصغير بتقييم تلك البيانات ووضعها في سياقها على ضوء «النواة المعرفية» الكاثوليكية قبل أن تصل إلى المستخدم. إن هذه البنية ذات الفعل المزدوج—إخفاء هوية الطلب الصادر وتنقية الاستجابة الواردة—هي ما يضمن حقًا أمانة عقائدية لا تشوبها شائبة واستقلالية لا تُنتهك.

نحن بحاجة إلى "ذكاء اصطناعي سيادي"—أنظمة تعمل محليًا على أجهزتنا نحن، محمية بجدراننا نحن، ومتماهية مع عقيدتنا نحن. هذه ليست مسألة خصوصية بيانات فحسب؛ بل هي مسألة تَشَكُّل وتكوين. النظام "السيادي" هو ذاك الذي تكون فيه "أوزان" النموذج—مليارات الوصلات التي تحدد طريقة تفكيره—مضبوطة على عقل الكنيسة، لا على دوافع الربح في وادي السيليكون. هذا يعني بناء أدوات لا تنطلق تلقائيًا من النسبية العلمانية عند طرح سؤال أخلاقي، بل تستقي بدلاً من ذلك من النبع العميق للتقليد المقدس. ويعني امتلاك "بنية الاستدلال التحتية" بحيث إنه عندما يطلب مدرسة كاثوليكية أو مستشفى كاثوليكي أو عائلة كاثوليكية الحكمة، يتلقون جوابًا متجذرًا في الإنجيل، غير ملوَّث بانحيازات اللحظة الثقافية الراهنة.

ومع ذلك، فإن السيادة لا تعني العزلة. فبينما نبني سفننا الرقمية الخاصة، لا يجوز لنا أن نهجر البحار العامة. علينا أيضًا أن نحتضن واجب «المواطنة الرقمية». كثيرًا ما تصل الكنيسة متأخرة إلى النقاشات التقنية التي تشكّل عالمنا، فلا تقدّم نقدها إلا بعد أن يكون الإسمنت قد جفّ. مع الذكاء الاصطناعي، لا يمكننا تحمّل دور المتفرّجين. نحن بحاجة إلى علمانيين مُعبَّئين يفهمون آليات عمل هذه الأنظمة: كيف تزن البيانات، وكيف تُحسِّن التفاعل، وكيف تُعرِّف «الحقيقة». إذا لم نفهم التكنولوجيا، فلن نستطيع تنظيمها بفعالية. يجب أن نضمن أن «الحواجز الوقائية» الموضوعة حول هذه الأدوات القوية لا تُصمَّم فقط لحماية الشركات من المسؤولية القانونية، بل لحماية كرامة الإنسان.

يجب أن نبني مستقبلًا يستخدم فيه الكاثوليكي الآلة، لكن لا تتحكم الآلة بالكاثوليكي أبدًا. فإذا لم نملك الخوادم، ولم نُشكّل القوانين التي تحكمها، نكون قد تخلّينا عن واجبنا في ضمان أن يبقى العصر الرقمي منفتحًا على الإلهي.


سادسًا: الخاتمة – من الإنتاج إلى التقديس

نحن نقف الآن في جنازة ما يُسمّى بـ"أخلاقيات العمل البروتستانتية"—ذلك الاعتقاد الراسخ منذ قرون بأن قيمة الإنسان تُقاس بقدر ما يكدح ويشقى. بالنسبة لكثيرين، يبدو هذا وكأنه موت حقيقي؛ إذ يجلب معه دوار "الهاوية الوجودية" ورعب أن يصبح المرء بلا فائدة. لكن بالنسبة للكنيسة، هذا ليس مأتماً؛ بل هو كشفٌ للحقيقة.

انهيار «عصر الناتج المحلي الإجمالي» هو أعظم فرصة للتبشير منذ سقوط الإمبراطورية الرومانية. على مدى مئتي عام، تنافس السوق مع المذبح على قلب الإنسان. لقد طالب السوق بوقته وطاقته وقلقه، ولم يترك للكنيسة سوى فتات صباح يوم الأحد.

تلك المنافسة توشك على الانتهاء. الآلة قادمة لتتولى عنّا العناء. إنها قادمة لتزيل قلق البقاء. إنها تعيد إلى البشرية الأصل الوحيد الذي كنا مشغولين عن رعايته: الوقت.

هذا يتركنا أمام خيار حاد وثنائي لا ثالث له.

يمكننا أن نسمح لهذا الفائض من الوقت بأن تلتهمه «الدوّامة الرقمية». يمكننا أن نقف متفرجين على جيلٍ منزوع المعنى، يذوب في عالمٍ جديد جريء من الراحة الاصطناعية، تديره خوارزميات تُبقيه آمناً، مخدَّراً، وعقيماً روحياً. هذا هو طريق «الإنسان الأجوف»، حيث يُختَزَل الإنسان إلى مجرّد مستهلك للتجارب بدلاً من أن يكون خالقاً للحياة.

أو يمكننا اغتنام هذه اللحظة لإطلاق نهضة جديدة.

تعلّمنا التاريخ أن الثقافة تزدهر لا عندما يُنهك الناس في صراع البقاء، بل عندما يتوفر لهم من الفراغ ما يسمح لهم بالتأمل في الإلهي. فإذا تدخلت الكنيسة لسدّ هذه الثغرة، وإذا بنينا «جامعة الروح»، أمكننا أن نأخذ الساعات التي تعيدها إلينا الأتمتة ونقدّسها.

يمكننا أن نبني حضارة لا يُقاس فيها «ناتج» حياة الإنسان بعدد السلع التي ينتجها أو كمية الشيفرة التي يكتبها، بل بأعمال الإحسان، وعمق الصلاة، وتربية الأبناء، وصنع الجمال. يمكننا أن ننتقل من اقتصاد الإنتاج إلى اقتصاد التقديس.

لكن هذه السفينة لن تبني نفسها. إنها تحتاج إلى جيل جديد من نوح، رجالاً ونساءً يعملون وفقًا لحقيقة ما لم يُرَ بعد، يمتلكون من الإيمان ما يدفعهم لوضع عارضة هذا البنيان الجديد بينما لا يزال العالم العلماني يسخر من غياب المطر.

نحن بحاجة إلى أساقفة مستعدين للاستثمار في البنية التحتية الرقمية بالجرأة نفسها التي استثمر بها أسلافهم في الكاتدرائيات الحجرية.

نحن بحاجة إلى علمانيين كاثوليك مستعدين لإتقان هذه الأدوات، لا لخدمة عمالقة التكنولوجيا، بل لحماية سيادتنا.

نحن بحاجة إلى رجال دولة كاثوليك ومدافعين في المجال العام يرفضون التنازل عن المستقبل لـ"اليد الخفية" للخوارزمية. نحن بحاجة إلى رجال ونساء يناضلون من أجل إطار قانوني يقدّم الإنسان على هامش الربح، ويضمن أن تظلّ الذكاء الاصطناعي أداة لازدهار الإنسان لا وسيلة للتلاعب به.

نحن بحاجة إلى عائلات تملك الشجاعة لإيقاف المحاكاة والقيام بالعمل الشاق والفوضوي المتمثل في محبة الأشخاص الحقيقيين الجالسين على طاولة العشاء.

يجب أن نصغي لتحدي البابا ليون الرابع عشر: «لا تدعوا الخوارزمية تكتب قصتكم! كونوا أنتم المؤلفين؛ استخدموا التكنولوجيا بحكمة، ولكن لا تسمحوا للتكنولوجيا أن تستخدمكم».

وادي السيليكون يَعِدُ بمستقبل يمكن للبشرية فيه أن ترتاح أخيرًا. والكنيسة تَعِدُ بمستقبل يمكن للبشرية فيه أن تنهض أخيرًا.

للقيام بذلك، يجب أن نبني الشيء الوحيد الذي لا تستطيع الآلة محاكاته: ثقافة من المحبة الأصيلة، غير المنقّحة، والمُضحية. يجب أن نكون الوعاء الذي يحمل ذاكرة معنى أن نكون بشراً عبر طوفان العصر الرقمي. في النهاية، ستنحسر مياه طوفان «الانفصال العظيم». وعندما تُفتح أبواب الفلك أخيراً على هذا العالم الجديد، عالم ما بعد العمل، فليكن الأمناء هم من يخرجون ليفلحوا تربة هذه الثقافة الجديدة، مظهرين كيف نسكن حريتنا الجديدة بالمحبة لا بالاستهلاك.

ستَرِثُ الآلاتُ العناءَ، فلنحرصْ على أن يرِثَ القديسون الأرض.